الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

91

شرح ديوان ابن الفارض

والمعنى : عذبني بما شئت من أنواع العذاب تجدني أوفى محب مبتهج بما يرضيك . وما في قوله بما شئت عبارة عن أنواع العذاب واستثنى البعد بقوله غير البعد عنك . وتجد ، مجزوم في جواب الأمر لكن يجب عليك أن تلاحظ جوابيته حال كون الأمر مقيدا بالمستثنى وإلا كان تجد جوابا لعذب وحده ويصير المعنى حينئذ عذب بما شئت تجد أوفى محب في ذلك البعد أيضا والحال أنه لا يريد ذلك فافهم والمجزوم في جواب الأمر إذا نظرت إلى الحقيقة مجزوم في جواب شرط مقدّر أي أن تعذب تجد ومفعول تجد أوفى محب ، ومبتهج صفة محب ، وبما يرضيك متعلق بمبتهج . والمبتهج الفرح المسرور ، وهذه عادة المحبين يبتهجون بالقرب ولو قارن صدّا لأنّ البعد عنهم أشد أنواع العذاب ولا يعادله في الشدة شيء من أصناف العقاب قال شرف الدين بن عنين رحمه اللّه : لو عاقبوني في الهوى بسوى النوى * لرجوتهم وطمعت أن أتصبرا عبء الصدود أخف من عبء النوى * لو كان لي في الحب أن أتخيرا وقال ابن الخياط الدمشقيّ : يا عمرو أي خطير خطب لم يكن * خطب الفراق أشدّ منه وأوبقا كلني إلى عنف الصدود فربما * كان الصدود من النوى بي أرفقا ( ن ) : الخطاب للمحبوب الحقيقي الذي خاطبه فيما سبق . وقوله بما شئت ، أي أردته من أنواع العذاب فإنه مستعذب لديه غاية الاستعذاب وسببه معرفة الفاعل فإن العاشق إذا وقع به ضرب شديد في ظلمة يتألم تألما شديدا بمقتضى الطبع فإذا انكشفت عنه تلك الظلمة فوجد محبوبه هو الذي يضربه ذلك الضرب الشديد ينقلب ذلك العذاب عذوبة ويشغله شهود جمال الوجه عن ألم العذاب على خلاف مقتضى الطبع ، قال الشاعر الغائب عن إدراك المشاعر : ولقد ذكرتك والسيوف تنوشني * عند الإمام بساعد مغلول فوددت تقبيل السيوف لأنها * لمعت كبارق ثغرك المعسول وقال الآخر : ويا ليت ليلى في المنام ضجيعتي * لدى الجنة الخضراء أو في جهنم وخذ بقيّة ما أبقيت من رمق لا خير في الحبّ إن أبقى على المهج